أسعد السحمراني

59

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

فالبوذية قامت إذن ، على الاهتمام بالجانب العملي السلوكي في حياة الإنسان ، وبشكل أساسي إخضاع النفس لضوابط وقيود تهدف إلى قمع الشهوات ، وهذا يؤدي إلى تطهير النفس وخلاصها . يقودنا هذا الأمر إلى التقرير بأن « عقيدة بوذا إذن مبادئ خلقية ودعوة قائمة على إصلاح النفس بالتأمل وتربية الخلق بالتهذيب والعمل . لذلك لم يأمر بعبادة ، ولم يقم معابد ولا هياكل ، وليس في عقيدته ، أو دينه ، قساوسة ولا رهبان ولا رجال دين ولا ناس لهم قداسة خاصة . ولعل ذلك . . الذي أثار عليه البراهمة من رجال الدين » « 1 » . يتّجه بوذا ، أول ما يتجه ، في فلسفته الأخلاقية إلى النفس فهي الباب إلى صلاح الإنسان ، ومن ثم المجتمع ، وهي هدف هام في مبدئه ، لأن النفس عنده تطمح إلى الطهارة حتى تكون فيما بعد سامية لتندمج في اللانهائي الذي هو مجمع الأرواح ، وهذا الاندماج للروح المتميّزة بالطهارة يحصل بقهر الشهوات والتغلب عليها ، وهو ما يعرف عند البوذيين « بالنيرفانا » . النيرفانا لغويا معناها : الإخماد . « فإن الإنسان الّذي لا يغذّي نيران عواطفه المتأجّجة يصل في النهاية إلى إخماد هذه العواطف ، وتصبح حياته هادئة لا يقلقها إزعاج الشهوات . . إننا لا نصل إلى النيرفانا ، وهي انتفاء لكلّ صيرورة ، إلّا إذا أخمدنا كل فكرة دنيوية ، وكل إرادة مادّيّة ، وكل شهوة حسّيّة » « 2 » . إن إخماد الجانب الدنيوي الشهواني في الأخلاق البوذية يلغي الخصوصية التي تتميّز بها كل نفس عند حلولها في جسدها الخاص ، في هذه الحال ينتقل الفرد من « الأنا » إلى « الآخر » ومن حبّ الذات إلى حبّ الآخرين ، وينتج عن هذا السلوك الاستقرار الّذي يحقّق الخلاص لنا جميعا .

--> ( 1 ) الشرقاوي ، محمود ، الدين والضمير ، بيروت ، دار العلم للملايين ، ط 2 ، سنة 1964 ، ص 35 . ( 2 ) بدوي ، د . السيّد محمد ، م . س ، ص 32 ، 33 .